بعد عودته من جولته الشيخ أحمد ياسين- السبيل "حـــوار" الاحتلال لا يؤمن إلا بالقوة

التاريخ : 2021-11-10

والمفاوضات لم تدفع به إلا للمزيد من التعنت نحن مستعدون للمشاركة في حكومة هدفها تحرير الوطن

السبيل، العدد239، الثلاثاء، 30 حزيران-6 تموز، 1998م، ص12

الشيخ أحمد ياسين، رمز مقاومة الشعب الفلسطيني، حاضر في الوجدان، قام بزيارة واسعة شملت العديد من البلاد العربية والإسلامية، أثارت جدلاً واسعاً، أفضى في أحد مراحله لتهديدات صدرت عن الاحتلال الإسرائيلي بدراسة منع دخول الشيخ إلى غزة إلا أن الشيخ عاد رغم أنف الاحتلال، الذي شعر أن بقاء الشيخ بالخارج يشكل خطورة مثلما هي عودته، فاختار أهون الضررين عليه.

السبيل، التقت الشيخ بعد عودته، وحاورته في العديد من القضايا، فكان هذا الحوار.

 

س: كيف تقيمون جولتكم في الدول العربية والإسلامية؟

ج: لقد فوجئت – والحمد لله - من حجم التعاطف والتضامن الذي لاحظته لدى التقائي بأبناء امتنا العربية والإسلامية، وأهلنا في مخيمات الشتات مع الشعب الفلسطيني وجهاده المشروع ضد العدو الصهيوني الغاشم، وأستطيع القول إن أبناء امتنا من عرب ومسلمين يكنون كل تقدير واحترام للمجاهدين في فلسطين ولخيار الجهاد، لقد تدافع إلينا الكثيرون في البلدان التي زرناها يسألوننا اللحاق بمسيرة الجهاد والتضحية من أجل تحرير المقدسات والأقصى، لقد رأيت تعطشاً للجهاد والاستشهاد في كل بلد زرته، وهذا يدل على أن شعوبنا العربية والإسلامية لم يخدعها بريق التسوية والاستسلام، وأنني على يقين أن يوم الحسم مع" إسرائيل" قد بات قريباً، وقريباً جداً.

 

س: هناك من اتهم بأن زيارتكم هدفت إلى زعزعة شرعية السلطة الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني، ماذا ترون؟

ج: لقد قلت في اليوم الأول الذي تم فيه الإفراج عني أننا لا ننافس السلطة ولا ننازعها، وهذا يجب أن يكون واضحاً، لقد زرت الدول العربية وإيران بناء على دعوات تلقيتها من شخصيات رسمية وشعبية وقد لبيت الدعوة، ولذا من ينظر إلى هذه الزيارة على أنها تهدف إلى إضعاف فريق ما فإنما يريد أن يشعل نار الفتنة والفرقة في وقت تمارس " إسرائيل" أبشع أساليب القمع ضد شعبنا الفلسطيني، إن ما نهدف إليه، أن يتواصل الجهاد ضد العدو الغاصب، وما سوى ذلك لا نلتفت إليه.

 

س: إذاً حماس ستواصل العمل العسكري ضد" إسرائيل"؟

ج: طالما بقيت الأسباب التي أوجبت الجهاد فحماس لن تتراجع عنه، ونحن لا نرى الا مزيداً من المستوطنات تبنى وتصادر الأرض وتنتهك المقدسات وتزهق أرواح الفلسطينيين ظلماً على أيدي جنود الاحتلال. أننا مأمورون بمواصلة الجهاد، فلنتصور أن حماس تركت الجهاد فكيف يمكن إقناع "إسرائيل" بالتراجع عن عدوانها، إننا نلاحظ أن الجلوس مع "إسرائيل" حول طاولة التفاوض قد أدى إلى جعلها تتعنت وتواصل سياسة هدم البيوت والتهويد والقتل والتشريد، وما يحدث في لبنان يثبت أن "إسرائيل" لا تؤمن الا بلغة القوة، فكلما تلقت ضربة كلما تنازلت، إنني أقول وأكرر أن" إسرائيل" لن تستمر طويلاً، بعون الله –تعالى-، فقليل من الصبر حتى نحقق النصر.

 

س: حكومة" إسرائيل" قررت توسيع حدود القدس، ماردكم؟

ج: متى كانت" إسرائيل" تحترم أي قرار في العالم أو قانون في العالم أو شريعة إنسانية، عندما قررت توسيع حدود القدس حتى تصل بيت لحم ورام الله وغيرها، هل جاءت بجديد، هي تعمل وهي تعرف أنه لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها وتعمل ما تشاء ولا يملك أحد أن يقول لها لا، ما تفعله" إسرائيل" أمر طبيعي بالنسبة لها ولكن لنا أمر عدواني على شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية، فلسطين هي القدس والقدس هي فلسطين وردنا معروف على ذلك نحن رفضنا الاحتلال ونقاومه وستستمر المقاومة سواء وسعوا ام لا، الخلاف عندنا ليس على شبر زيادة أو نقص، الخلاف أن يكون الاحتلال أو نكون شعب حر، نحن نريد حريتنا ونريد أن يزول الاحتلال وسنقاومه حتى يزول.

 

س: ما تعقيبك على تردد "إسرائيل" في السماح بعودتك؟

ج: أنا خرجت من الباب وليس من الشباك وخرجت بتصريح رسمي وليس هروباً وليس هناك قانون يمنع الإنسان من العودة إلى وطنه بعد أن أخذ تصريح رسمي للخروج كذلك أحمد ياسين خرج من السجن وخرج إلى الخارج وعاد إلى غزة ثانية.

 

س: السلطة ستعلن عن دولة في نفس المناطق في 4/5/1999 فما هو الفرق في النهج السياسي بينكم وبين السلطة؟

ج: شتان بين المشرق والمغرب، عندما أتحدث عن هدنة فهذا لا يعني الاعتراف ب" إسرائيل" واتفاق أوسلو معناه أن السلطة اعترفت بإسرائيل؛ أي تنازلت عن الأرض التي احتلت عام 1948 قبل أن تحصل على شيء، وعندما أتحدث عن هدنة مقابل أرض كاملة تحرر من كل آثار الاحتلال فهناك فرق بينها وبين الواقع الذي تراه الآن، في الواقع إنه ليس هناك شعب فلسطيني على ارض حرة ليس هناك شعب متواصل.

هناك كنتونات من المدن والقرى الفلسطينية في وسط سرطان خبيث من المستوطنات الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي على المحاور، تخرج من غزة إلى رفح فتجده في دير البلح، تخرج من نابلس يجدك في جنين، وهكذا فأنت لا تملك أرضاً حرة تقيم عليها دولة ولذلك أنا اعتبر الدولة في ظل احتلال موجود لا قيمة لها.

الآن هناك سلطة في ظل الاحتلال من أجل ماذا جاءت السلطة؟ إذا السلطة تعطي بطاقة الهوية و" إسرائيل" توقع عليها والسلطة تعطيني التصريح لكن" إسرائيل" هي التي توقع عليه، حتى بئر الماء الذي سأحفره يجب أن توافق عليه " إسرائيل" وإذا أردت أن أذهب من الخليل إلى غزة فيلزمني تصريح منهم حتى أمر، وإذا أردت أن أذهب للقدس ممنوع إلا بتصريح إذاً أين هي السلطة؟ فالسلطة ليست سلطة حرة على أرضها ولكنها سلطة في ظل الاحتلال يستطيع أن يمنع الطحين يدخل عليك إذا أراد، بل أن تدخل كوباً من الماء، فهم الذين يملكون كل شيء فما قيمة دولة في ظل احتلال إذاً؟ فالدولة تكون في ارض حرة وعلى أرض حرة وشعب حر، أقمنا دولة في 1988 في الجزائر ماهي نتيجة الدولة؟ رغم أن مائة دولة اعترفت بها في العالم، كيف أصبحت دولتنا ما الذي حصل لنا الآن، فإنا أقول الدولة التي نريدها عندما يزول الاحتلال إنما في ظل الاحتلال لا قيمة لدولة بل سيعطي اليهود عنصراً جديداً لاستعماله وليضربوا بالاتفاقيات عرض الحائط وتبقى الضفة وغزة بأيديهم يقسمونها كيفما شاؤوا؟ وباختصار أنا ضد إقامة دولة في ظل الاحتلال عندما تتحرر الأرض لنقم دولة، أما قبل ذلك فلا.

 

س: في قضية استشهاد المهندس محي الدين الشريف جدل طويل وعريض من السلطة وحماس في هذا الموضوع واتهامات متبادلة ألا تعتقد أن الرواية حول ظرف استشهاد الشريف من قبل حماس طالت؟

ج: السبب أن حماس تريد أن تخرج تحقيقاً، وأطراف مهمة في القضية في السجون، فأنا أريد أن أحقق معهم وأعرف منهم القضية كيف حصلت؟ ففي قضية اغتيال المهندس يحيي عياش، أسامة حماد في السجن، يجب أن يكون خارج السجن حتى أحقق معه، قضية كمال كحيل مثلاً نضال دبابش مفقود وأخذ من المستشفى وحتى أحصل على نتيجة في القضية فيجب أن يكون موجوداً، الناس الذين كانوا في الساحة أليس في الأصل أن يكونوا موجودين حتى أجري تحقيقاً ولذلك أنا متوقف عن نشر تحقيقي حتى يتوفر لي العناصر التي لها طرف في القضية لكنني أعلنت من حيث المبدأ بناء على المعلومات التي وصلتني من السجون أن هؤلاء الشباب يرفضون هذا الكلام المعلن وبناء عليه أنا أعلنت موقفي، لكن كل الصورة وملابساتها يجب أن تتوفر عندما يطلق سراحهم حتى نعرف الحقيقة.

 

س: منذ فترة لم تقم حركة حماس بأي عمل مسلح هل هي استراحة المحارب أم أن الحركة مع الرأي القائل بأن نضع نتنياهو أمام المجتمع الدولي؟

ج: نحن أصلاً في حركة حماس جناحان الجناح العسكري والجناح السياسي نحن السياسيين نعلن عن رأينا بكل وضوح، هذا السؤال يوجه للجناح العسكري لماذا لم يقم بعمل ولماذا هم متأخرون؟ هم يعطوك الجواب حسب ظروفهم وإمكانياتهم، ولكن بالنسبة لنا نحن السياسيين لن نعلن وقف الجهاد، ومواقفنا ثابتة أنه مادام هناك احتلال هناك مقاومة، كيف ومتى؟!هذا أمر يرجع للناس العسكريين أما نحن ليس لنا علاقة بالقضية.

 

س: كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن التعديل الوزاري في حكومة السلطة الفلسطينية، وقد طرحت مسألة مشاركة حماس في هذه الحكومة.. هل ترى أن هناك إمكانية قائمة للمشاركة؟

ج: المسألة المطروحة هنا ليست المشاركة في الحكومة الفلسطينية أم لا، بل المطروح هو موقفنا من أوسلو لأنه يتنكر لحقوقنا المشروعة، ونحن على استعداد للمشاركة في الحكومة الفلسطينية بشرط أن يكون هدف هذه الحكومة الجيد هو تحرير الوطن.

 

س: العملية التفاوضية تمر في مأزق بعد أن رفضت" إسرائيل" المبادرة الأمريكية.. كيف ترون مستقبل عملية التسوية بين" إسرائيل" والدول العربية والسلطة الفلسطينية؟

ج:" إسرائيل" تحاول ما أمكن استغلال التفاوض من أجل كسب الوقت لفرض الأمر الواقع، وما يحدث في القدس دليل على ذلك، فهم يستولون على الأرض حتى لا يبقى شيء يمكن التفاوض عليه، ونحن على يقين أن كل الذين راهنوا على التسوية سيصلون إلى استنتاج أنه لا يمكن إرجاع الحقوق بالتفاوض مع الكيان الصهيوني، وبالنسبة للشعوب العربية، بما فيها الشعب الفلسطيني فقد أيقنت أن التسوية السياسية مع " إسرائيل" لم تؤد إلا إلى مزيد من التضييع للحقوق العربية، وبالنسبة للشعب الفلسطيني فإن أبناءه يعون الآن أن أوسلو لم يجلب لهم إلا مزيداً من القيود والحصار والتدهور الاقتصادي، ولن يتأخر اليوم الذي يجد الجميع نفسه في خندق المقاومة والجهاد.

 

س: من خلال نتائج زيارتكم العربية والإسلامية كيف تقيمون مستقبل العلاقة الفلسطينية مع دول العالمين العربي والإسلامي؟

ج: لقد كان هناك إجماع شعبي عربي إسلامي على دعم قضية الشعب الفلسطيني، ولقد لمست أن هناك أجواء شعبية تبعث على الطمأنينة على مستقبل هذه الأمة، فالشباب العربي والإسلامي يعلم أن الجهاد هو السبيل الوحيد لعزته وكرامة أمته.

 

س: بالنسبة للعلاقة مع السلطة الفلسطينية.. نلاحظ أن زيارتك قد أزعجت السلطة.. فما رؤيتكم لمستقبل العلاقات مع السلطة؟

ج: إنني حزين ومستاء جداً لسماع هذا الادعاء، ولا أعتقد أن فلسطينياً ممكن يرى أن في وزيارتي وجولتي هذه أي مساس به، فما قمت به من جولة كانت لصالح الشعب الفلسطيني، ولأبناء فلسطين، لكل فلسطيني، بما فيهم السلطة الفلسطينية، وأنا لم أتحدث في البلدان التي زرتها إلا عن قضية فلسطين وحاجة شعبنا للصعود والمقاومة والدعم والتأييد، وكل من يرى في الجولة مساساً به فهو مخطئ، لأننا أبناء شعب واحد وقضيتنا واحدة وعدونا واحد، ولذا لا يمكن أن يصدر عني أمر إلا لصالح الشعب الفلسطيني، وليس لصالح فرد معين أو جماعة معينة، بل نحن متكاملون نعمل لصالح الشعب الفلسطيني، وعلى الجميع أن يذكر أنني زرت البلدان العربية ليس من أجل السياسة، فقد خرجت للعلاج، ولكن أهل البلاد التي زرتها هم الذين استقبلوني ودعوني لمقابلتهم، أنا لم اطلب أن أقابل أحداً، بل هم الذين وجهوا لي الدعوة، وهل يعقل أن يخرج إنسان من السجن بعد 9سنوات اعتقال ثم يدعى لزيارة بلاد عربية إسلامية فيرفض الدعوات التي وجهت إليه

 

س: كيف ترى الاعتقالات السياسية داخل صفوف حركة حماس، وهل ستطلب من ياسر عرفات الإفراج عن معتقلي حماس، وخاصة الدكتور الرنتيسي والدكتور المقادمة؟

ج: أولاً أنا قبل عام تحدثت مع الرئيس حول الذين مضى على سجنهم عامان أو ثلاثة، لكن للأسف لم أجد استجابة وبقيت الوعود نظرية، الرئيس لأسباب تتعلق بالضغوط التي يمارسها الإسرائيليون وأمريكا لم ينفذ هذه الوعود، وأنا أرى في اعتقال الدكتور الرنتيسي والمقادمة عملاً لا مبرر له، ما الذنب الذي اقترفاه حتى يتم الإلقاء بهما في السجن؟!وكيف يسجن إنسان في وطنه لمجرد التعبير عن رأيه.

 

س: ما تعقيبك على الادعاءات الإسرائيلية، أنك قمت بجمع ملايين الدولارات في الجولة، جزء منها سيذهب للعمليات، والجهاد العسكري لحماس؟

ج: أنا عدت وأنا املك أكثر من المليارات وليس مليوناً واحداً، أو اثنين أو خمسين، لأن الشعب العربي عندما يقول لي نحن معك والحكومات تقول لي نحن معك، فأنا حينئذ أصبحت أملك أكثر من بترول الخليج كله.

وعلى كل أحب أن أشكر كل بلد عربي وإسلامي قدم لنا أي مساعدة وأشكر كل من قدم الدعم لشعبنا من أجل صموده ونحن لا نطلب من الناس مالاً بل نطلب منهم موقفاً، نطلب أن يقفوا بجانبنا في صمودنا وثباتنا على أرضنا، وإذا تحقق ذلك فهو الأمنية.

أما من يقول جاء ب50 أو 30 مليوناً فأقول دعهم في غيهم، إن الظن لا يغني من الحق شيئاً، نحن دائماً نعيش فقراء، وسنعيش فقراء وسنموت فقراء، المال لا يغنينا، والقليل في أيدينا كثير، أقول للإسرائيليين أنا خرجت لأطالب الشعوب العربية والإسلامية أن تقف إلى جانبنا في المحافل الدولية والسياسية ويكفيني من الحاكم العربي أن يقول لي أنا أؤيد حقكم وأقف إلى جانبكم " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"


 

س: بعض الدول العربية لم تسمح للشيخ ياسين بدخول أراضيه فما سبب هذا الرفض؟

ج: أنا زرت الدول التي وجهت لي الدعوة، هناك من وجه لي دعوة من لم تسمح ظروفه الداخلية والسياسية، فمن استقبلنا شكرناه ومن لم يستقبلنا شكرناه وعذرناه.

ليس لنا على أحد حق لازم، كل من يدعونا نلبي دعوته إذا أمكننا ذلك، ومن لم يدعونا الآن فقد يفعل في المستقبل، ونحن لا نسأل كل دولة عن سبب رفضها للزيارة، هم أحرار لهم شأنهم الداخلي وأنا لا أتدخل في شؤونهم، مثلما لا اسمح لأحد يتدخل في شؤوننا.

 

س: هناك من يرى في استقبال الدول العربية لكم رسالة احتجاج على الإدارة الأمريكية، إذ أن الشعوب العربية تشعر بالظلم من الموقف الأمريكي؟!.

ج: أنا اتفق معك، لقد علم العرب أن أمريكا لا يمكنها أن تلعب دور الوسيط النزيه، فهي دفعت العرب إلى مدريد وأوسلو وجعلتهم يقدمون على التنازل تلو التنازل دون أن تعطيهم" إسرائيل" أي شيء، ولذلك فهم يقولون للعالم إن الأمة العربية لا يمكن أن تنحني ابدآ، وإذا انحنت يوماً للعاصفة، فهي مستعدة أن تقف مرة أخرى شامخة وهي مستعدة لدعم الشعب الفلسطيني وجهاده ودعم مقاومته حتى تحرير الأرض والوطن بما في ذلك القدس الشريف.