مقابلة مع الشيخ أحمد ياسين

التاريخ : 2021-11-10

العدد السادس – السنة السادسة شعبان 1409هـ /مارس 1989م

كانت مجلة (الغرباء) الغراء قد أجرت مقابلة مع الشيخ المجاهد أحمد ياسين ونشرته في عددها 3/89 الصادر أول مارس (آذار) 89 م، ونظراً لأهمية ما ورد فيها حول رؤية الحركة الإسلامية لمستقبل العلاقة مع الحلول المطروحة على الساحة الفلسطينية.. ارتأينا نقل نصها هنا لفائدة قرائنا..

والشيخ أحمد ياسين أشهر من أن يُعرّف، فهو ابن فلسطين البار، تحمل الهجرة الداخلية، ولم يكتف بالتحسر والترجيع، وشمر عن ساعده، ونفض عن ذراعه، وبنى مع إخوانه صرح (المجمع الإسلامي) في غزة ليكون قلعة صمود في خضم أمواج الاستسلام والتراجع.. وبدأ برحلة الألف ميل التي تبدأ بخطوة واحدة، وبصبر المسلم المتوكل رفع اللبنات واحدة فوق الأخرى، فالتفت إلى بناء (الإنسان) وتحصين النفوس، فهي سر النجاح وهي ثروة الأمة الحقيقية وطاقتها الفاعلة، وتحمل كل أنواع القهر الإسرائيلي بشجاعة المقاوم لا باستسلام العبيد، كما تحمل من بعض أبنائه وإخوانه الشيء الكثير– لاسيما من أولئك الذين يستعجلون - كل ذلك في سبيل الله.. وعندما دقت ساعة الصفر وانطلقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من عقالها.. توجهت الأنظار إليه أباً وأخا...

 

س: تناقلت بعض وكالات الأنباء العربية خبراً مفاده ترحيبكم بإجراء انتخابات داخل الأراضي المحتلة، وأنكم بذلك توافقون على المشروع الذي طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي (شامير)...فما هو رأيكم في قضية الانتخابات وما تناقلته الصحف؟

ج: لقد قلت آنذاك – في مقابلة صحفية سابقة – إن الانتخابات في ظل الاحتلال انتخابات غير صحيحة؛ وذلك لأن الخصم هو الحكم، أما في حالة رحيل سلطات الاحتلال دون قيد أو شرط مع توفر إشراف دولي فهي مقبولة.

 

س: قيل يومها أنكم صرحتم عن استعدادكم للقاء (رابين) أو (شامير) والحديث معهما، ومما ورد على لسانكم يومها إجابة على سؤال وجه إليكم عن مدى استعدادكم للقاء (شامير) " أنه لم يدعني بعد وأنا مستعد للقائه إن دعاني"؟!

ج: أنا مواطن أعيش كغيري من أبناء الشعب الفلسطيني في ظل احتلال، وإنني أستدعى دوماً للقاء المخابرات والحاكمية العسكرية وليس بمقدوري ولا مقدور غيري الرفض، وإذا ما رفضت فإنهم سيأتون إلي في البيت ويأخذونني قسراً إلى حيث يريدون، وهذا ما قلته.. وبناء عليه إذا ما دعيت فإني سأذهب كما يذهب أي فرد عادي من أبناء شعبي دون صفة رسمية، غير أني مواطن أعيش تحت سلطات الاحتلال... وليس مهماً في هذه الحالة من سأقابل رئيساً أو جندياً، المهم من أنا وماذا سأقول.

س: لاحظنا في الآونة الأخيرة ذكر (حماس) والتركيز على دورها في الإعلام العربي والغربي، بعكس ما كان متبعاً في السابق إذ كان التعتيم الإعلامي لدور (حماس) سياسة متفق عليها، فما قولكم في ذلك؟

ج: (حماس) حقيقة واقعة. . وهي موجودة. . ولن يجدي التعتيم والتجاهل في ثني (حماس) عن مواقفها أو تشويه صورتها لدى شعبها الذي عرفها عن قرب.. فهي منه وله.. وأيضاً لن يستطيع أحد جرها إلى متاهات ومزالق الحل السلمي.. ولكن (حماس) بدورها ومواقفها يدافع عنها الشرفاء والمخلصون وبتقربها من شعبها وتفاعلها مع مآسيه وآلامه تفرض نفسها على أقلام المغرضين وأفواه الحاقدين.

أما بالنسبة للحلول المزعومة فهي عملية تنفيس لمشاعر الاشمئزاز التي انتشرت في العالم ضد (إسرائيل) وسلوكها كما أنها ما هي إلا تثبيت للصورة التي اهتزت في ضمائر الكثير من أنصار (إسرائيل) وأيضاً هي محاولة فاشلة لإسكات صراخ الشعب وأنينه من وطأة الاحتلال ومطالبته وإصراره على رحيل سلطات الاحتلال عن وطنه لذلك نستبعد أن تعطي إسرائيل شيئاً لهذا الشعب غير الاضطهاد والقتل والتشريد.

فهي تعودت على التنازلات وعلى أن تأخذ ولا تعطي ولا ترد الحقوق إلى أهلها. أما عن موقف الشعب من قيام الدولة فلا أحد يرفض قيام دولة، ولا يختلف أحد مع المطالبة بدولة، ولكن الاختلاف في طبيعة هذه الدولة وكيفية قيامها وهل ستقام في الهواء أم في أرض فلسطين من البحر إلى النهر، وإذا لم تقم الدولة الفلسطينية فسيظل الشعب يجاهد حتى إقامتها، دولة فلسطينية مسلمة، وسنبقى نحن دعاة إلى قيام الدولة الإسلامية على أرض فلسطين.

 

س: يحاول البعض تشويه صورة الإسلاميين، وبث دعاية بأن رفضهم لعملية السلام والدولة أفقد حركتهم تجاوب الشعب معها، مع سماعنا بالإقبال الشديد على بيانات (حماس) والتجاوب معها في مسيراتها الجماهيرية وتحديها لسلطات الاحتلال.. كيف ترون المسألة؟

ج: ما سمعتموه عن الإقبال والتجاوب نحن نسمعه ونراه أيضاً وهذا دليل على عدم صحة الإدعاء بأن الإسلاميين يرفضون الدولة هو إدعاء غير صحيح فلا يوجد أحد يرفض الدولة، وكما أسلفت سنظل دعاة إلى قيام دولة إسلامية على أرض فلسطين.

 

س: لقد صرح إلياس فريج بقبوله بمبدأ التفاوض وإجراء الانتخابات المقترحة من قبل الإسرائيليين، وكذلك وافق الحسيني فما رأيكم؟

ج: لم أطلع على هذه التصريحات، ولم أسمع عنها.

 

س: هل ترون أن معنويات الشعب توحي باستمرار الانتفاضة وخصوصاً بعد التصريحات اللينة التي تصدر عن القيادة الإسرائيلية؟

ج: أسباب الانتفاضة ما زالت موجودة، ألا وهي الاحتلال ومآسيه وآلامه فلا جدوى من لين أو شدة التصريحات التي غايتها تخدير الشعب أو إرهابه. . وليعلم الجميع أن الشعب ذو معنويات مرتفعة وقد حدد غايته وعرف سبيل تحقيقها. والتضحيات على قدر الغايات.. وكلما عظمت الغاية كلما تطلب ذلك تضحيات وبذل وعطاء أكبر وأكثر والشعب يعلم ذلك وهو مستعد لكل ما يطلب منه لتحقيق غايته.

 

س: هل من رسالة أو نصيحة توجهونها لمن يعيشون معكم بقلوبهم وأعصابهم في أنحاء العالم الإسلامي؟

ج: رسالتي إلى كل ناطق بالشهادتين، وإلى كل من سأل عن حال أمته هي أننا دعاة إلى الله، وطريق الدعاة مليء بالأشواك محفوف بالمخاطر، ولكننا نؤمن بأن المستقبل هنا وفي كل العالم للإسلام. . كما أذكرهم بأن ديننا ليس ديناً نظرياً ولكنه إيمان وعمل وعلى ذلك فلهم إخوة يعيشون تحت وطأة الاحتلال وأوضاعهم الاقتصادية صعبة، والاجتماعية أصعب، فهم في حاجة إلى تضامن إخوانهم معهم ونصرتهم لهم، رحم الله المهاجرين والأنصار... فإخوانكم في فلسطين هم المهاجرون الذين أُخرجوا من ديارهم وأهلهم بغير حق إلا أن غايتهم الله، فكونوا لهم أنصاراً، وتبوأوا الإيمان الحق كما تبوأ الأنصار الدار الإيمان.. وأحبوا إخوانكم وانصروهم بما عندكم من خير، وباب الإيثار مفتوح فأنفقوا مما رزقكم الله واستخلفكم فيه..

وإن لم يكن هناك قدرة على الإنفاق فنقول داعين (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان).. أما الذين أصابهم اليأس في عالمنا الإسلامي ولهثوا وراء الحلول السلمية وراء السراب يستجدونه عبر المؤتمرات، نقول لهم تذكروا بني النضير أصحاب الحصون صانعي السلاح، وتذكروا ضعف رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – وأصحابه بعد غزوة أحد وكيف أنه بالمقياس المادي ظن المؤمنون عدم قدرتهم على الانتصار على بني النضير فما كان إلا أن تدخلت عناية الله وكان النصر (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار).